محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
769
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
لكل ما يتكلّم به المرء مع النساء من معاني الإفضاء ، ثمّ جعل كناية عن الجماع . قال أبو عبيدة والأخفش : أراد بالرفث الإفضاء وإنّما عدّاه بحرف « إلى » لهذا المعنى ؛ وقال ابن عبّاس : الرفث الجماع وهو قول مجاهد وقتادة . وقوله : هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ . واللباس كلّ ما يلبسه الإنسان ممّا يواري جسده ، ثمّ المرأة تسمّى لباس الرجل والرجل لباس المرأة لما يلابسه ويلابسها انضماما واعتناقا ومباشرة ؛ والعرب تسمّي المرأة اللباس والفراش والإزار . قال ابن زيد : يستر أحدهما الآخر عند المواقعة . قال ابن عباس ومجاهد وقتادة « 1 » : هنّ سكن لكم وأنتم سكن لهنّ . قال الربيع بن أنس : هنّ فرش لكم وأنتم لحف لهنّ . وقال بعض أهل المعاني : معناه العفاف أي يعفّ كلّ واحد بصاحبه ، وإنّما وحّد اللباس بعد إضافته إلى الجمع ؛ لأنّه أجري مجرى المصدر ، وتأويله هنّ ملابسات لكم . وقوله : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ تفتعلون من الخيانة ، والمعنى تخونونها بالمعصية ؛ أي لا تناصحونها في اجتناب سخط اللّه ، وكلّ من عصى اللّه ورسوله فقد خان نفسه لأنّه جلب إليه العقاب ولم يكن ذلك من حقّها عليه . قال القفّال « 2 » : والمعنى تختانون أنفسكم في مجامعتكم نساءكم وفي مطعمكم ومشربكم في الوقت الذي كان ذلك حراما عليكم ؛ فعلم اللّه أنّكم كنتم لا تضبطون أنفسكم في استباحة المحظور عليكم لصعوبة ذلك . فَتابَ عَلَيْكُمْ أي فرجع عليكم برحمته ونظره ، وأزال ذلك عنكم أي خفّف عنكم بإسقاط ما كان يشقّ عليكم ؛ وقيل : فتاب عليكم أي جعل لكم مخرجا ممّا كنتم فيه ، وعفا عنكم ذنوبكم ، وذلك إقدامهم على الوقاع بعد النوم ، وقد فعل ذلك ناس مثل عمر وغيره ( 316 آ ) ؛ وروي عن قتادة أنّه قال : كان ذلك في صيام أيّام البيض ، والصحيح أنّ ذلك كان في صيام شهر رمضان ، وهو قول ابن عبّاس والأكثرين . ثمّ قال : فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ « 3 » وهو أمر إباحة ورفع الحرج بعد النهي ؛ والمباشرة إلزاق
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : التفسير . ( 2 ) . في الهامش عنوان : المعاني . ( 3 ) . في الهامش عنوان : التفسير .